#ما_فماش_عذر: 16 يوماً لمجابهة العنف الرقمي ضد النساء والفتيات

25 November 2025
Actualité
#ما_فماش_عذر: 16 يوماً لمجابهة العنف الرقمي ضد النساء والفتيات

مع تسارع الاعتماد على الإنترنت والتقنيات الرقمية الحديثة، وتصاعد استعمال الذكاء الاصطناعي بشكل رهيب في حياتنا اليومية، نما نوع من العنف الأخطر والخفيّ، ألا وهو العنف الرقمي. هذا النوع من العنف لا يقف عند حدود الابتزاز أو التجاوزات الكلامية، بل يمتد ليطال الخصوصية، الكرامة، السلامة النفسية، والأمان الجسدي للنساء والفتيات.

ذلك أنّ العنف الرقمي، أو ما يُعرف بـ العنف الميسّر بالتكنولوجيا، يشمل كل فعل يُرتكب أو يُسهَّل أو يتفاقم أو يتوسّع عبر استعمال تكنولوجيا المعلومات أو أي وسيلة رقمية، ويؤدّي إلى أذى جسدي أو جنسي أو نفسي أو اجتماعي أو اقتصادي، أو إلى انتهاك الحقوق والحريات. ويمكن الإشارة إلى أنّ أشكال هذا العنف كثيرة ومتنوّعة، من بينها:

  • نشر صور أو مقاطع خاصة دون موافقة (سرقة معطيات، Doxing).
  • ممارسة التتبّع (Stalking) عبر الفضاء الرقمي أو المراقبة على الإنترنت.
  • التحرّش عبر الرسائل أو التعليقات، أو توجيه التهديدات.
  • التلاعب بالصور أو الفيديوهات بطريقة مسيئة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (Deepfakes).
  • خطاب الكراهية، تشويه السمعة، حملات التشهير أو التهديد.

أصبح الفضاء السيبراني امتدادًا للحياة اليومية، لكنه في الوقت نفسه تحوّل إلى ساحة تتضاعف فيها مخاطر التحرّش، التهديد، الابتزاز، والاختراقات الرقمية التي تستهدف النساء بشكل خاص.

وتُظهر تقارير الأمم المتحدة وهيئة UN Women أنّ ما يقارب 38٪ من النساء حول العالم تعرّضن لشكل من أشكال العنف الرقمي، وأنّ 85٪ منهن شاهدن عنفًا موجّهًا ضد امرأة أخرى. كما تتراوح نسب التعرّض للعنف الإلكتروني بين 16٪ و58٪ عالميًا. وفي السياق ذاته، تكشف بيانات حديثة أنّ 60٪ من النساء في المنطقة العربية اللواتي يستعملن الإنترنت أفدن بتعرّضهن لشكل من أشكال العنف الرقمي، سواء عبر التحرّش، التنمّر، التتبّع، سرقة المعطيات الشخصية، أو التشويه باستخدام تقنيات متطورة مثل “الديب فايك”.

تعكس هذه الأرقام واقعًا مقلقًا، خاصة وأنّ أقل من 40٪ من دول العالم تمتلك قوانين واضحة تُجرّم التحرّش أو التتبّع الإلكتروني. وفي ظل غياب تشريعات قوية، تجد العديد من الضحايا أنفسهن دون حماية فعلية أو مسارات إنصاف ناجعة، رغم خطورة التأثيرات التي قد تبدأ على الشاشة وتنتهي بتهديدات ميدانية، عزلة اجتماعية، اضطرابات نفسية، أو انسحاب النساء من الفضاء العام.

في تونس، ورغم وجود ترسانة قانونية مهمّة، من بينها القانون عدد 58 المتعلّق بالقضاء على العنف ضد المرأة، إلا أنّ التشريعات الحالية لا تزال عاجزة عن مواكبة التطوّر السريع للعنف الرقمي. وتشير التقارير المحلية إلى أنّ حوالي 60٪ من النساء التونسيات واجهن أشكالًا من العنف السيبراني، تشمل التحرّش الجنسي الإلكتروني، التهديد، التشهير، القرصنة، أو الملاحقة عبر الإنترنت. وقد تحدّثت العديد من الناشطات والصحفيات عن حملات منظّمة استهدفتهن بخطابات كراهية وهجمات رقمية ممنهجة، دفعت بعضهن إلى تقليص نشاطهن أو الانسحاب تمامًا من الفضاء العام.

إلى جانب الفراغ القانوني، تُظهر التجارب أنّ الخلط بين قوانين مكافحة الجريمة الإلكترونية والإجراءات المتعلّقة بالأمن الرقمي من جهة، وبين حقوق النساء وحرية التعبير من جهة أخرى، يخلق مناخًا من الخوف ويُضعف ثقة الضحايا في اللجوء إلى العدالة. ويتزامن ذلك مع توسّع أدوات الإساءة الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل “الديب فايك” وغيرها، ممّا يجعل العنف أسرع انتشارًا وأكثر تعقيدًا.

في المقابل، يتحمّل المجتمع المدني التونسي دورًا محوريًا، يشمل رصد الانتهاكات، دعم الضحايا، توعية النساء والفتيات، والمرافعة من أجل إدراج العنف الرقمي ضمن التشريعات الوطنية. وتعمل جمعيات مثل أصوات نساء، ومراكز توثيق مثل “ناجية”، إلى جانب منظمات حقوقية ووسائل إعلام مستقلة، على كشف حجم الظاهرة وتقديم خدمات قانونية ونفسية وتدريبات حول السلامة الرقمية، رغم البيئة الصعبة والضغوط المتزايدة على حرية العمل المدني.

اليوم، ومع انطلاق حملة 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي يُسلَّط خلالها الضوء عالميًا ومحليًا على العنف الرقمي، تصبح الحاجة ملحّة لاعتماد مقاربة تشاركية تضمن حماية النساء والفتيات في الفضاء الرقمي. ويتطلّب ذلك إطارًا قانونيًا واضحًا يُجرّم جميع أشكال العنف الميسّر بالتكنولوجيا، وآليات تبليغ ودعم حسّاسة للنوع الاجتماعي، وبرامج توعوية شاملة، إلى جانب مساءلة جدّية للمنصّات الرقمية التي يجب أن تتحمّل مسؤوليتها في إزالة المحتوى المسيء والاستجابة السريعة للشكاوى.

إنّ العنف الرقمي ليس “إزعاجًا إلكترونيًا”، بل هو اعتداء على الحقوق والحريات، يُضعف المشاركة المدنية ويُقصي النساء من الفضاء العام. وفي تونس، يحتاج هذا الملف إلى إرادة سياسية وتشريعية، كما يحتاج أيضًا إلى تضامن مجتمعي واسع يعترف بأنّ ما يحدث على الشاشة لا يبقى على الشاشة.

ولأنّ مواجهة العنف الرقمي مسؤولية مشتركة، فإنّ نشر الوعي ودعم المبادرات التي تعمل على حماية النساء يُعدّان خطوات أساسية لبناء فضاء رقمي أكثر أمانًا وإنصافًا للجميع.