تقييم الطابع الديمقراطي للدستور التونسي المؤرخ في 27 جانفي 2014
Description complète
جاءت صياغة الدستور التونسي متناغمة مع االلتزامات ّقة بالديمقراطية. فهو الدستور األكثر والمعايير الدولية المتعل ّ تقدما بهذا الشأن مقارنة بدساتير الدول العربية األخرى. إذ ّ جاء هذا الدستور بشكل عام ّ مكرسا لحقوق االنسان، بما فيها الحقوق المدنية والسياسية والحقوق االقتصادية واالجتماعية، كما وجب أن تكون في دولة ديمقراطية. فالدستور التونسي يضمن جملة الحقوق المدنية والسياسية المعترف بها في القانون الدولي بالرغم من تضمنه لبعض االستثناءات في مجال ّ الترشح لالنتخابات التشريعية والرئاسية. كما أن حماية الحقوق االقتصادية واالجتماعية وتكريسها في هذا الدستور يتطابقان مع المعايير العامة لحماية تلك الحقوق كما هو معمول بها في الدول الديمقراطية. أرسى الدستور التونسي األسس الضرورية للطعن في حالة خرق ّ ر بشكل مرضي القيود الحقوق والحريات المكرسة فيه. كما أط التشريعية التي يمكن أن توضع على تلك الحقوق والحريات. ّق بالضوابط الخاصة بالحقوق والحريات يُ َعّد فالفصل 49 المتعل ّ خطوة كبرى نحو الديمقراطية باعتباره يكرس مبدأ التناسب كمعيار لتأطير تلك الضوابط. ّ كما يكرس الدستور التونسي نظاما قائما على الفصل بين السلط ويجعل من الشرعية االنتخابية اآللية الوحيدة للوصول إلى السلطة والتداول عليها. ّة. يضمن الدستور التونسي أسس السلطة القضائية المستقل ّ ّ ل تقدما كبيرا بالمقارنة مع ما كان ّ فالمبادئ التي يتضمنها تشك قائما تحت طائلة دستور 1959 ّ . إال ّ أن تقييم درجة استقاللية ّ القضاء ال يمكن أن يتم ّ بصورة شاملة إال ّ بعد تفحص التشريع ّ الجديد والنصوص التطبيقية الخاصة بهذا المجال. كما وضع الدستور التونسي أسس دولة القانون عبر التنصيص ّقة بحاالت الخطر الداهم، حتى وإن خاصة على الضمانات المتعل ّ كان من المستحسن أن يتم تناول مثل هذه المسائل في الدستور بشكل أكثر تفصيال وذلك من خالل التكريس الصريح لبعض المعايير الدولية. ّ من جهة أخرى، كرس الدستور التونسي بعض المبادئ المتصلة ّ بالشفافية وبالمسؤولية. كما تضمن المبادئ التي من شأنها أن ّ ّ ه يتوجب االنتظار إلى حين صدور ّ تدعم حرية االعالم. إال ان مجموعة النصوص التطبيقية ذات القيمة »تحت الدستورية« في ّى تقييم درجة حرية وسائل االعالم. هذا المجال، حتى يتسن هنالك عنصران سيؤثران على السير الديمقراطي للدولة ّ ّ ق بالمنظومة القانونية التونسية برمتها ّ التونسية. أولهما يتعل )الدستور والقواعد تحت الدستورية( باعتبارها ستكون حاسمة ّ في تقييم السير الديمقراطي للدولة التونسية. فالدستور ال يتضمن ّ القواعد. و لئن احتوى هذا األخير على الضمانات األساسية كل فهو قد ال يُثني المشرع عن رغبته في تقييد بعض الحقوق والحريات المضمونة دستوريا بشكل قد يكون تعسفيا، حتى و إن كان الفصل 49 ّ قد حد من مثل هذه المخاطر من خالل تأطيره ّ ّ قة بالحقوق والحريات. أما العنصر للضوابط التشريعية المتعل ّق بإمكانية حصول تفاوت بين المقتضيات الثاني فهو يتعل ّ الدستورية من جهة والممارسة من جهة أخرى. حيث أن دستور 1959، وبقطع النظر عن بعض أحكامه اإلشكالية، لم يكن ّ ليكرس ضرورة نظاما استبداديا لوال كيفية تطبيقه واالنحرافات الناجمة عن الممارسة والتي كانت السبب الرئيسي في الحياد به. ال تزال هناك تحديات كبرى إلقامة ديمقراطية في تونس ترتكز على هذا الدستور الديمقراطي. يجب أوال تطبيق الدستور الجديد من خالل إصدار القوانين ّقة بالمحكمة الدستورية، وبالمجلس األعلى للقضاء المتعل ّ والمجالس القضائية التي يتكون منها، وبالهيئات الدستورية المستقلة على غرار هيئة االتصال السمعي البصري، هيئة حقوق اإلنسان، هيئة التنمية المستدامة وحقوق األجيال القادمة، وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، وهذا فضال عن تركيز مختلف تلك الهياكل. كما يتعيّن العمل على جعل اإلطار القانوني القائم مطابقا ّقة للدستور الجديد. وهو شأن النصوص التشريعية المتعل بالالمركزية، وبحالة الطوارئ، وباالجتماعات العامة والمواكب واالستعراضات والمظاهرات والتجمعات، وكذلك القوانين ّقة الجزائية واإلجراءات القضائية الجزائية، والقوانين المتعل باألحزاب السياسية والجمعيات. ّ كذلك فإن ّ أي ّ نص قانوني – ونص الدستور على وجه الخصوص– دائما ما يثير تساؤالت بشأن تأويله. فالعديد من األحكام يجب أن ّ ّ ل في سياق تطبيقها. هذا باإلضافة إلى أن تأويل نفس ُقرأ وتحل ت ّ النص الدستوري قد يتطو ّ ر عبر الزمن نتيجة عدة عوامل من ّ بينها خاص ّ ة تطور العقليات داخل مجتمع ما. فالدستور التونسي ال يستثنى من هذه الظاهرة. وهو أمر ال يخلو ّ التباين القائم داخل المجتمع التونسي من األهمية خاصة في ظل بشأن قضايا المساواة بين الجنسين، ومكانة الدين وعالقته بالدولة وبالقانون الوضعي. ويبدو أن السلطة التأسيسية التونسية قد تجاوزت البعض من خالفاتها الجوهرية حول هذه القضايا، إما عبر التوافق حول ّ ّ ب تعريفها بشكل مفصل تفاديا للوصول إلى حالة المفاهيم مع تجن انسداد، أو من خالل اعتماد مرجعيات قد تفتقر أحيانا للتناسق العام لكنها تسمح لمختلف الحساسيات بأن تجد المرجعية المناسبة لها. وكنتيجة لذلك يمكن تأويل بعض أحكام الدستور التونسي 6 بطريقة لبرالية أو بطريقة محافظة، وإعطائها بعدا كونيّا أو بعدا خصوصيا. وسيكون دور المحكمة الدستورية التونسية المقبلة دورا أساسيا. فهي التي ستتولى مسؤولية تأويل األحكام الدستورية بهدف التوفيق بين الحقوق والحريات والمبادئ العامة للمنظومة ّ الدستورية التي قد تكون متضاربة فيما بينها. علما وأن تأويلها ّ لهذه األحكام سينجر ّ عنه إما تعزيز الطابع الديمقراطي للدستور التونسي أو التقليص منه. ّ وأخيرا، فإن هذا الدستور الجديد سيطبّق من قبل جميع المؤسسات ّ ّ رجال القانون بشكل عام، كما سيدرس في وبقية المحاكم وكل الجامعات والمعاهد والمدارس، وهو ما سيساهم في تنمية ثقافة الديمقراطية الدستورية.
Aucun fichier disponible
Il n'y a aucun fichier à télécharger pour cette ressource.